بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد ربّه عاصف بن زوبعة العاتي إلى غزّة العزّة, سلامٌ قولًا من ربّ رحيم.
أما بعد :
أيا غزّة تربتك الأولى الصمود, ماؤكِ العزّة و المبتدأ و الخبر. أنتِ سلسبيل الفيض و صبر الشجر, تعودين إلى الملاحم لتصمدي مرّة أخرى. اهدئي قليلا, فنحن لن ننسَ و لو تعاقبت الأجيال !
انظري يا غزّة كيف اشرأب الزّمن ليرقب العالم صبر امرأة تقف في وجه الحصار و بسالة سنبلة تثبت أمام الإعصار.. انظري مليًا كيف تعود الحقيقة ناصعة كالارتعاشة الأولى و الحرف المنفلت.. لا شيء أغلى من الحريّة, أنت تدرين, و الكون صامت من دون الأبجدية, و العالم أخرس من دون جرأة الكلمات, لذلك ظل الزمن في حالة شرود أمام صبركِ حتى دقت ساعة الاعتراف و عُدتِ على يده من غياهب النسيان مزهوةً بالحقيقة, مستهزئةً بالنكران, منفتحةً على أفق الوطن.
ألمعية فذة و مناضلة راقية رغم النكران و الجحود, و مُعلِّمة و مَعْلمة تطل من علياء الفخر و شجرة الصمود. أصلُكِ ثابتٌ و فرعكِ في السماء, تشيرين إلى الطريق حين ينغلق الأفق و ينهد الدليل لأن الأوطان لا ثمن لها إلا أرواح أبنائها. كنتِ تعلمين ذلك و أنتِ محاصرةٌ تواجهين الهول حقيقةً لا مجاز, و مع ذلك ظللتِ قويّةُ, ثابتةً حتى الشهقة النشاز.
لماذا تتشبثين بنا أيا عزّة ؟؟ كانت كرامتنا تصرخ بصوتكِ أنت المسجيةُ هناك و هي المشرّدة بين مكاتب القشعريرة و الفراغ. أنّى يكون لنا الفخر و كبرياؤنا المهيض الذي لم يحْلُ له مضجع من دون صحبتكِ, حاول أن يسموَ دونكِ فراغ..
كان يا ما كان ..
أكثر من سبع سنوات مضت منذ اقتاد الليل أحد أخواتكِ في العشرين من محرّم الحرام لسنة 1423 تحت جنح الظلام. الليل تتشابه غيلانه. و لا شك أنّني ابتسمتُ قليلا حين وقفتُ آنذاك على شاهد ملحمتكِ أتساءل :
هل حقا جنين هنا يلفها التراب الذي ووريت فيه على عجل ؟ أيّ لحد يلف جثمانها التوّاق للحريّة ؟ أي حجر يثقل الكفن المضرّج بالحياة, بلا خجل ؟
ملاحم لم ترد على لسان منذ عقود أو يزيد, شاهدناها مشدوهين من تلاطم الأحداث كأنها الموج في البحر الألج, كأنها تساقط الثلج المتهشّم في داخلنا هشيم جرف هار في بحر متجمّد بلا اسم. كأنما تحجّرت مخارج الحروف, في دهاليز الصمت المرعب. كأنتِ تحكين عن زمن تمازجت فيه أفراحكِ بالخوف, و زغاريدكِ بالألم..!
أتساءل, و لا شكّ أن هذا حالكِ, كيف يصبح الشقيق الصديق الودود فجأة شبحا مروعا في ظلمة بلا ضفاف ؟؟ كيف ترتفع الذراع الحانية لتهشّم أملا مشتركا بلا هوادة ؟؟ أي قوّة هذه التي ترفع يد بروتوس و تقودها إلى بطن المغدور ؟؟ فيما يخر هذا الأخير على الإسفلت البارد, و هو يرمق آخر نظرات القاتل تتابع انهمار دم الغيلة من طعنة الاغتيال, لعل الطعنة غير كافية, فيردفها بأخرى حتى الصهيل الأخير..
كم تقلبتِ و ارتعدتِ تحت الثرى المضمخ بدمّك الأرجواني, المولع بالوطنية. كنت على موعد مع التاريخ كلما أخذوكِ أنتِ أو أحد أخواتكِ المؤمناتِ, القانتاتِ, السائحاتِ, الصابراتِ, الصامداتِ, المرابطاتِ, و كانوا يعرفون أنكنّ من صلابة و عناد, عرفوا عزّتكنّ مع كل ملحمة حمراء, لذلك لم يكن من الموت بد على يد الجبناء و وقفتِ تنظرين مجدّدا إلى ارتعاش الجافلين من دم الأبرياء حتى إن أجهزوا على الجسد لم يبلغوا مدارك الروح و لن يبلغوها أبدا..
هو تاريخك كذلك, و هي حصّتنا من الغدر و نصيبنا من الخديعة, تماما كما لك النصيب الأوفر من البذل و العنفوان, لنا حصّتنا التي لا تنضب من الذّل و الهوان..
أراك تقولين من خلف ملاحمك, و من علياء صمودك :
"شكرا يا أسطول الحرّية, فالرسالة وصلتني رغم أنف مجزرة مرمرة. أعدكم أنّي سأثبت في وجه الحصار و أكرر الملاحم كركره. إن التاريخ قد يكتبني بحبر من دمّ فيحان أو عطر من ريحان أو منهما معا و في نفس الآن.. هل إنّني أبالغ ؟؟ الذي أعرف أنّه علي المشي في الطريق إلى منتهاه مهما كان الحبر و مهما كانت الكتابة و مهما كان القرطاس. فهناك ضميرٌ لنا جميعا لا بدّ أن يستفيق. و هناك قصاصٌ عندي أو عندكم أو عند الأبناء و الأحفاد, لكن صدّقوني, سيكون لنا جميعا بالقسطاس."
فهل تقبليننا من زمرة أبنائك أيّتها الشمّاء ؟؟
نحن الجيل الذي فتح عينيه فوجدك مغتصبة, ننحني لذكراك كما انحنينا لذكرى كل شهدائك الذين يسكنون منا سويداء القلب, لأنهم صنعوا تاريخنا و وضع كل واحد منهم حجرا في صرح كرامتنا, لكنّنا نحن في حاجة أن نستحضركِ اليوم أكثر من غيركِ يا غزّة, أيّتها العائدة إلينا على أجنحة العزّة.
حرّره عبد ربّه عاصف بن زوبعة العاتي يومه الخميس 27 جمادى الثانية 1431هـ