خاطبته الدٌّنيا ذات مُصارحةٍ فقالت :
أنت .. نعم أنت .. يا من يستبيح الكون _ وأنا معه _ محارم أفكاره فلا يغار !
أنت .. يا من نسي جذوره عندما أعجبه ظاهره الحديث عهدٍ بصنع !
أنت .. يا من يتوسّد اللّحاف , ويلتحف الوسادة !
أنت .. يا لقيط العزّة والسؤدد , تريد أن تَرِث من لست من أصلابهم ؟!
هذا ما لا يكــــون ..
اليوم سأعلمك بأن ( كفران العشير ) لا يختصّ بالنساء , وأنّ من الرجال من يكفّر قبيلة بأكملها قد أحسنت إليه !
اليوم سأعطيك درساً بأنّك إذا لم تضع لك حدوداً _ لا يراها الغير ولكنّهم يشعرون بها _ سوف تُدهسُ بأقدام من قد بنيت لهم قصوراً من هامتك , و نظمت لهم لآلئ من عرق جبينك !
اليوم سأوجعك كَلِماً حتى تعود إنساناً كما كنت , كصدماتٍ كهربائية يضعها طبيب يائس مرعوب على قلب أخيه الذي فارق الحياة !
اليوم سوف يكون أول شعورٍ لك بالألم الذي لا يمكنك أن تتعوّد عليه أو تستريح منه , وسيكون آخر شعور لك بالفرح المزيّف !
اليوم سوف أعلمك كيف تقف في وجه الفرح المغشوش وتمنعه من التندّر بك !
اليوم سوف أمزّق قلبك بسكّينٍ أثريّه لا تقطع شعرة , فضلاً من أن تقطّع نياط قلبك !
سأتباكى وأنا أذبحك , ليس كما بكى الخليل على ابنه , و لن أشاورك كما شاور إبراهيم ابنه إسماعيل , وأنت لن تستطيع أن تقول لي : افعل يا دنيا ما تؤمري به ستجديني إن شاء الله من الصابرين !
سأنبش ماضيك بكل حقارته , وسأنادي كل لحظات كرامتك المُهانة التي جاهدت جهاداً عظيماً لإخفائها, وسأستنجد بكل هفوةٍ قصدتها أو لم تقصدها , وبكل غفوةٍ على قبيحٍ توسدتها , علّك تبكي فتختلط دموعي ودموعك لتعرف الفرق بين من بكى ومن تباكى !
سأسرد لك من أنت سرداً مفصّلاَ , وسأتلذذ برائحة نتن ماضيك الخلاّب !
سأقول لك باختصار من أنت ؟!
سأجلبك من لحظات نسيان حقيقة نفسك , وسأسجنك في زنزانة ٍ لا ترى فيها إلا المرآيا , وعندما تنظر إلى هذه المرآيا لن ترى صورة وجهك , لأنّ وجهك كالهواء لا تعكسه المرآيا !
سأكوّن منك قصة من أسوأ القصص , وسأرميك في اللا محدود , وسأرسمك نقطةً سوداء تحت جناح غُراب !
سأقتلعك من جذورك , وأعود لأغرسك بالمعكوس !
أنت اليوم خارج نطاق اللّغة , وخارج عن نطاق المعقول واللا معقول , وتندرج تحت العلم الكثير الذي لم يخبر الله به البشر وأخبرهم بالقليل !
سأعذّبك بطرقِ لا أعرفها , وسأضرب الأشياء بك !
ستموت وأنت حيّ , ثم تُكفّن وأنت حيّ , ثم تُدفن وأنت حيّ , ولا تنبس ببنت شفة !
لن تتذوّق طعم الغضب , ولا أرستقراطية الكبرياء , ولا جموح الطموح , ولا حتى معنى الملل , ولن تشمّ أيّ رائحة !
فأنت اليوم بحواسٍّ لا تحسّ !
ستتيّقن بأنّ المساحة من أعظم النّعم التي تشتاقها , وأنّ الكارثة لونك المفضّل الذي اخترته رغماً عنك !
سيصيرُ النّزق توأم روحك !
وستهرشُ روحك وكأنّ بها جدريٌ يكوي جيدك المنحوس !
يا ساعياً خلف الحقيقة , والحقيقية خلفك تُخادعك أينما ذهبت !
لا تتمنّى شيئاً لا يُناسبك , فلم أجد في أرجائي سعادةً تُناسبك !